أبي حيان الأندلسي

33

البحر المحيط في التفسير

تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ ، ثم قال : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ إلى آخر الآية ، فهذه كلها ضمائر خطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم التفت عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة . وحكمة هذا الالتفات أنه لما فرغ من الإقبال عليه بالخطاب ، أقبل على الناس فقال : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ واخترناهم لتحمل العلم والوحي ، يعرفون هذا الذي خاطبناه في الآي السابقة وأمرناه ونهيناه ، لا يشكون في معرفته ، ولا في صدق أخباره ، بما كلفناه من التكاليف التي منها نسخ بيت المقدس بالكعبة ، لما في كتابهم من ذكره ونعته ، والنص عليه يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . فقد اتضح بما ذكرناه أنه ليس من باب الإضمار قبل الذكر ، وأنه من باب الالتفات ، وتبينت حكمة الالتفات . ويؤيد كون الضمير لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما روي أن عمر سأل عبد اللّه بن سلام ، رضي اللّه عنهما ، وقال : إن اللّه قد أنزل على نبيه : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ الآية ، فكيف هذه المعرفة ؟ فقال عبد اللّه : يا عمر ، لقد عرفته حين رأيته ، كما أعرف ابني ، ومعرفتي بمحمد صلى اللّه عليه وسلم أشدّ من معرفتي بابني . فقال عمر : وكيف ذلك ؟ فقال : أشهد أنه رسول اللّه حقا ، وقد نعته اللّه في كتابنا ، ولا أدري ما يصنع النساء . فقال عمر : وفقك اللّه يا ابن سلام فقد صدقت ، وقد روي هذا الأثر مختصرا بما يرادف بعض ألفاظه ويقاربها ، وفيه : فقبل عمر رأسه . وإذا كان الضمير للرسول ، فقيل : المراد معرفة الوجه وتميزه ، لا معرفة حقيقة النسب . وقيل : المعنى يعرفون صدقه ونبوّته . وقيل : الضمير عائد على الحق الذي هو التحوّل إلى الكعبة ، قاله ابن عباس وقتادة أيضا ، وابن جريج والربيع . وقيل : عائد على القرآن . وقيل : على العلم . وقيل : على كون البيت الحرام قبلة إبراهيم ومن قبله من الأنبياء ، وهذه المعرفة مختصة بالعلماء ، لأنه قال : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ، فإن تعلقت المعرفة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فيكون حصولها بالرؤية والوصف ، أو بالقرآن ، فحصلت من تصديق كتابهم للقرآن ، وبنبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم وصفته ، أو بالقبلة ، أو التحويل ، فحصلت بخبر القرآن وخبر الرسول المؤيد بالخوارق . كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ، الكاف : في موضع نصب ، على أنها صفة لمصدر محذوف تقديره عرفانا مثل عرفانهم . أبناءهم : أو في موضع نصب على الحال من ضمير المعرفة المحذوف ، كان التقدير : يعرفونه معرفة مماثلة لمعرفة أبنائهم . وظاهر هذا التشبيه أن المعرفة أريد بها معرفة الوجه والصورة ، وتشبيهها بمعرفة الأبناء يقوي ذلك ، ويقوي أن الضمير عائد على الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، حتى تكون المعرفتان تتعلقان بالمحسوس المشاهد ، وهو آكد في التشبيه من أن يكون التشبيه وقع بين معرفة متعلقها المعنى ، ومعرفة متعلقها